وباء السكري..
“درهم وقاية خير من قنطار علاج”
رسائل مفزعة يرسلها لنا ملف هذا العدد من مجلة “علوم وتكنولوجيا”، والذي حمل عنوانا موحيا: “داء السكري «القاتل الصامت» يعيث فسادا في المنطقة العربية». فهناك ست دول عربية تأتي في قائمة البلدان العشرة الأكثر إصابة بهذا الداء على مستوى العالم في المرحلة العمرية بين 20 و79 عاما، حيث جاءت الإمارات في المركز الثاني عالميا بنسبة تزيد عن ربع عدد السكان، تليها السعودية بنسبة 16.7% والبحرين 15.2% والكويت 14.4%، فسلطنة عمان 13.1% ثم مصر بنسبة 11%.
وتشير إحصاءات وزارة الصحة الكويتية إلى أن معدل الإصابة بداء السكري في الكويت بلغ 16.7 في المائة، وأن نسبة إصابة الأطفال بالداء وصلت إلى 20 حالة لكل 100 ألف طفل تحت سن الـ14عاما. بينما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدل انتشار السكري بين البالغين في المنطقة العربية (منطقة شرق المتوسط) يبلغ 7.7%. ويرتفع هذا المعدل إلى ما بين 12% و20% بالنسبة للفئات العمرية الأكبر في الحضر وفي منطقة الخليج.
وقد بات السكري تحديا كبيراً أمام العالم ما عاد بالإمكان تجاهله.. ففي العام 2011 يموت شخص من السكري كل 7 ثوان. والبيانات التي جمعت من دراسات عالمية تشير إلى أن عدد مرضى السكري في أرجاء العالم ارتفع في العام 2011 إلى 366 مليون شخص، وبلغ عدد الوفيات السنوية في المرض 4.6 ملايين شخص، فيما وصلت النفقات على هذا المرض 465 مليار دولار.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن أمراض الحضارة المدنية، مثل أمراض القلب والدورة الدموية، أو السكري، أو الاكتئاب، ستصبح التحدي الأكبر للأطباء والعلماء في المستقبل، في كل أصقاع المعمورة، وليس في الدول الغنية فقط. ففي المجال الصحي هناك تحول منهجي يصفه العلماء بـ»التحول الوبائي». وهذا يعني أن الأمراض المزمنة ستحل محل الأمراض المعدية، كمسبب أول للوفاة. فإذا ما استثنينا دول جنوب الصحراء في إفريقيا، فإننا نجد أن أمراضا مثل السكري وضغط الدم المرتفع والبدانة، تتسبب في وفاة عدد من الناس أكبر من أولئك الذين يموتون بأمراض الإيدز والملاريا والسل. وهذا الاتجاه في تصاعد قوي. ويجد بعض العلماء أن هذا الأمر أكثر من مثير للقلق، بل ومثير للسخرية في جانب منه، لأن هذا التطور كان بالإمكان تلافيه. إنه نتيجة لطريقة الحياة غير الصحية، التي امتدت من أميركا وأوربا إلى مناطق أخرى في العالم.
الطعام المالح أو الحلو أو الغني بالدهون، وقلة الحركة، كلها أمور يعيشها كثير من الناس في الدول المتقدمة. الأمراض المزمنة تعتبر من أمراض الرفاهية أو التطور المدني في الدول الصناعية الغربية. ولكن العولمة والتمدن جعلت حتى سكان القارة الأفريقية يلجأون إلى الأطعمة المحضرة صناعيا بدلا من الوجبات التقليدية. وفي عالمنا العربي بشكل عام، وفي منطقة الخليج بشكل خاص، يتم استهلاك كميات هائلة من الوجبات السريعة والمشروبات الغنية بالسكر.
والحقيقة أن الربط بين الأمراض المزمنة ومستوى المعيشة فكرة قديمة لم تعد صالحة في هذا العصر. فحتى في الدول الغنية، مثل الدول الأوربية، ترتفع في الأوساط الاجتماعية ذات الدخل المنخفض احتمالات الإصابة بتلك الأمراض. والأسوأ إنها باتت ترتبط بقوة بالفقر والمستوى الاجتماعي المنخفض. لكن هذا المنطق يصح بالعكس أيضا: في الدول المتطورة تحديدا يصبح الناس المصابون بالأمراض المزمنة ضحية للفقر أكثر من غيرهم، لعدم وجود دعم مالي كاف لهم. فالفقر نتيجة للمرض. وتقول منظمة الصحة العالمية إن 80 بالمائة من الناس الذين يموتون نتيجة لأمراض مزمنة، ينتمون إلى دول ذات دخل منخفض إلى متوسط.
يقول المثل العربي الشهير «درهم وقاية خير من قنطار علاج». ولا بد أن نتذكر هذا المثل دائما ونحن نتعامل مع مشكلة «وباء السكري». فمثل هذا النوع من الأمراض، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، قابل للوقاية ويمكن في معظم الحالات تلافي الإصابة بها بجهد ضئيل، فإذا ما خفض المرء استهلاك السكريات والتبغ، وغذّى نفسه بشكل صحي، وقام بمزيد من الحركة (الرياضة)، فإن باستطاعته أن يتحاشى الإصابة بجزء مهم من أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطانات. لكن الصعوبة في تحقيق كل ذلك تكمن في أن الإجراءات الوقائية التي تضع السكان في طريقة حياة صحية تحتاج إلى تغيير في السلوك. وهذا التغيير يصعب تحقيقه ويرتبط بمسألة التوازن المناسب بين تدخل الدول من جهة، عن طريق منع التدخين في الأماكن العامة مثلا، وبين حماية الحرية الفردية من جهة أخرى.
لكنني شخصيا لا أرى تناقضا في ذلك، فهي عملية تغيير اجتماعي، وفي ثقافة المجتمع، لا تحدث بين يوم وليلة. ويجب أن نساعد الناس عن طريق التوعية، لكي يعيشوا بطريقة صحية أكثر. أما ماذا نأكل أو كيف نتحرك، فإن البيئة كفيلة بتنظيم ذلك. وحتى تنجح جهود مكافحة الأمراض المزمنة لابد من تعاضد جهود منظمات المجتمع المدني المحلية والدولة وشركات صناعة الأغذية وغيرها من الجهات الفاعلة.
لكن إذا استمر تفشي السكري وأمراض القلب والضغط بهذه المعدلات المتسارعة، فلا بد، وهذا رأيي الشخصي أيضا، من اتخاذ إجراءات جديدة، مثل فرض ضرائب إضافية وتصاعدية على الأطعمة غير الصحية، وعلى التبغ والمشروبات الغازية والسكرية. فنحن الآن نركز على استثمار أموال كبيرة في العلاج الطبي، بدلا من الاستثمار في جانب الوقاية، وهو خطأ فادح.
رئيس التحرير
د. نادر العوضي